الثعلبي
151
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
له : قتل صاحب الحمام ابنك . فالتمس فلم يقدر عليه ، فهرب ، فقال : من كان يصحبه ؟ فسمّوا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة ، فمرّوا بصاحب لهم في زرع وهو على مثل إيمانهم فذكروا له أنهم التمسوا ، فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوا وقالوا : نبيت هاهنا الليلة ، ثمّ نصبح إن شاء الله فترون رأيكم . فضرب الله عَلَى آذانِهِمْ . فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف ، وكلّما أراد الرجل منهم دخوله أرعب ، فلم يطق أحد دخوله ، وقال قائل : أليس لو قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى . قال : فابن عليهم باب الكهف واتركهم فيه يموتوا عطشا وجوعا . ففعل . قال وهب : تركهم بعد ما سدّ عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان ، ثمّ إنّ راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال : لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر ! فلم يزل يعالجه حتى فتح ، وردّ الله إليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا . وقال محمد بن إسحاق : ثمّ ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيدوسيس ، فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وثلاثين سنة فتحزب الناس في ملكه ، وكانوا أحزابا ؛ منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق ، ومنهم من يكذّب بها ، فكبر ذلك على الملك الصالح ، وبكى إلى الله عز وجلّ ، وتضرّع إليه ، وحزن حزنا شديدا . فلما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون : لا حياة إلّا الحياة الدنيا ، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد فأما الجسد فتأكله الأرض . ونسوا ما في الكتاب ، فجعل تيدوسيس يرسل إلى من يظن فيه خيرا وأنه معه في الحق ، فجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يحولون الناس عن الحقّ وملّة الحواريين . فلما رأى ذلك الملك الصالح تيدوسيس دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحا وجعل تحته رمادا ثمّ جلس عليه فدأب ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله ويبكي مما يرى فيه الناس ، ويقول : أي رب ، قد ترى اختلاف هؤلاء الناس ، فابعث إليهم من يبين لهم . ثمّ إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية له وحجة عليهم ، وليعلموا أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ، وأن يستجيب لعبده الصالح تيدوسيس ويتم نعمته عليه ، ولا ينزع عنه ملكه ولا الإيمان الذي أعطاه ، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئا ، وأن يجمع من كان ببلده من المؤمنين . فألقى الله عز وجلّ في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف - وكان اسم ذلك الرجل أولياس - أن يهدم ذلك البنيان الّذي على فم الكهف ، فيبني به حظيرة لغنمه ، فاستأجر عاملين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان بها تلك الحظيرة حتى نزعا ما على فم الكهف ، وفتحا عليهم باب الكهف ، فحجبهم الله تعالى من الناس بالرعب . فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم أن يدخل من باب الكهف لم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف ، نائما .